فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

كما ذكره الله تعالى فيما بعد من هذه السورة ، فالذين حضروا القتال للدنيا ، هم الذين حضروا لطلب الغنائم والذكر والثناء ، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا ، والذين حضروا للدين ، فلا بد وأن لا ينهزموا ثم أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من طلب الدنيا لا بد وأن يصل إلى بعض مقصوده ومن طلب الآخرة فكذلك ، وتقريره قوله عليه السلام : " إنما الأعمال بالنيات " إلى آخر الحديث . واعلم أن هذه الآية وان وردت في الجهاد خاصة ، لكنها عامة في جميع الأعمال ، وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب ، والعقاب المقصود والدواعي لا ظواهر الأعمال ، فان من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه ، فان قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الاسلام ، وان قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر . وروى أبو هريرة عنه عليه السلام ان الله تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل الله " في ماذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول تعالى : كذبت بل أردت أن يقال فلان محارب وقد قيل ذلك " ثم إن الله تعالى يأمر به إلى النار . * ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) * . واعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد : إن لكم بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة ، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد وترك الفرار ، فكيف يليق بكم هذا الفرار والانهزام ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير " وكائن " على وزن كاعن ممدوداً مهموزاً مخففا ، وقرأ الباقون " كأين " مشدوداً بوزن كعين وهي لغة قريش ، ومن اللغة الأولى قول جرير : وكائن بالأباطح من صديق * يراني لو أصيب هو المصاب وأنشد المفضل : وكائن ترى في الحي من ذي قرابة . ( c ) المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ( قتل معه ) والباقون ( قاتل معه ) فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم ، بل استمروا